
الدكتورة دينا سمير تكتب : التوجيه والإرشاد الوظيفي .. الاستثمار الحقيقي في عقول الشباب
بقلم : دكتورة دينا سمير بخيت
في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، تفرض التكنولوجيا والرقمنة واقعًا جديدًا على سوق العمل، لم يعد فيه الاعتماد على الشهادات وحدها كافيًا. اليوم، نحن أمام مرحلة تتطلب مرونة، إبداعًا، ومهارات متعددة كي نواكب المستقبل. وهنا يبرز دور التوجيه والإرشاد الوظيفي كركيزة أساسية في إعداد الشباب لمواجهة هذه التحديات.
خلال عملي كـ استشاري توجيه وإرشاد وظيفي، ومدير برنامج لتأهيل وتطوير السلوكيات الذاتية، وأستاذة علم الاجتماع التربوي ، اكتشفت أن النجاح في الحياة المهنية لم يعد مرتبطًا بالمعرفة النظرية فقط، بل بقدرة الفرد على التكيّف مع التغيرات المستمرة، وإدارة ذاته بوعي ومسؤولية. لذلك ركزت في برامجي التدريبية على الجمع بين الجانب النفسي والاجتماعي والمهني، لأن الشخصية المتوازنة هي مفتاح النجاح في أي بيئة عمل.
التقارير العالمية تؤكد أن أكثر من 40% من الوظائف التقليدية ستختفي خلال السنوات المقبلة، لتحل محلها وظائف تعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. هذا التحول الكبير يجعلنا في حاجة ملحة إلى تأهيل الشباب بمهارات المستقبل مثل التفكير النقدي، القيادة الذاتية، والابتكار، إلى جانب مهارات التواصل وإدارة الوقت.
لكن التحديات لا تقتصر على التكنولوجيا وسوق العمل، بل تمتد إلى حروب فكرية وأيديولوجية تستهدف عقول الشباب من خلال الشائعات والمحتوى المضلل على منصات التواصل الاجتماعي. لذلك، يجب أن نغرس في أجيالنا قيم الوعي، وتحري الحقيقة، والقدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة.
في مصر، يواجه الشباب تحديات حقيقية مثل ارتفاع معدلات البطالة، غياب الوعي بمسارات التوظيف الجديدة، وضغوطات الحياة الاجتماعية. لذلك فإن الإرشاد الوظيفي لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية لحماية شبابنا من الانجراف وراء الأفكار السلبية، ومنحهم الأدوات التي تمكّنهم من اكتشاف شغفهم وبناء مسار مهني مستقر.
رسالتي لكل شاب وشابة: أنتم القوة الحقيقية لصناعة المستقبل. لا تجعلوا التكنولوجيا تتفوق عليكم، بل اجعلوها وسيلة لتحقيق أحلامكم. استثمروا في أنفسكم، طوّروا مهاراتكم باستمرار، ولا تنتظروا الفرص بل اصنعوها.
إنّ التنمية البشرية ليست خيارًا، بل حجر الأساس لأي نهضة حقيقية. لذلك، أدعو كل مؤسسة تعليمية ومجتمعية إلى تعزيز برامج التوجيه المهني، لأنها الطريق الأمثل لبناء أجيال قادرة على مواجهة التحديات، وتحويلها إلى فرص حقيقية للنمو.
في النهاية، أؤمن أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر أمانًا والأطول أمدًا. فالعقول الواعية هي التي تصنع الأوطان، وتحافظ على هويتها، وتبني مستقبلها بثقة وقوة.