العلاج بالبستنة.. صيحة حديثة في مؤتمر “وعي” لتعزيز الصحة النفسية لكبار السن والحد من الإدمان الرقمي
كتب : إبراهيم نور
شهدت قاعة المؤتمرات الكبرى بمركز التعليم المدني بالجزيرة انطلاق فعاليات المؤتمر الرابع للطب النفسي وعلم النفس (Gen_Z)، والذي ينظمه مركز “وعي” برئاسة الدكتورة آية محمد.
ويأتي المؤتمر كمنصة علمية تهدف إلى تسليط الضوء على أبرز القضايا النفسية المعاصرة، وطرح الحلول العلاجية والسلوكية الحديثة التي تستهدف فئة الشباب وجيل اليوم، بمشاركة واسعة من نخبة من الأساتذة، الأطباء، والمتخصصين في مجالات الطب النفسي، وعلم النفس، والتربية، والخدمة الاجتماعية.
البستنة كجسر نفسي بين الأجيال
وفي هذا السياق، قدمت د. سميحة مصباح إبراهيم عبدالله، باحثة دكتوراه في علم النفس الإكلينيكي بجامعة القاهرة وأخصائية نفسية مدرسية بفلسطين، ورقة بحثية مميزة ومحاضرة هامة تحت عنوان:
“العلاج النفسي بالبستنة والصحة النفسية لدى المسنين أو كبار السن”
حيث افتتحت الباحثة طرحها بالإجابة على تساؤل جوهري حول علاقة كبار السن بمؤتمر يستهدف بالأساس جيل “Z” وجيل “ألفا”. وأكدت أن الصحة النفسية منظومة شاملة وممتدة لا يمكن فصل فئاتها العمرية؛ فكبار السن يشكلون الامتداد العائلي والمجتمعي الطبيعي (كالجد والجدة)، وأي أثر نفسي إيجابي أو سلبي يقع عليهم ينعكس مباشرة على الأجيال الشابة الناشئة في كنفهم.
وأشارت د. سميحة إلى أن الطفرة الرقمية والتطور الإلكتروني المتسارع لم يعدا حكراً على الشباب، بل طالت تأثيراتهما كبار السن أيضاً. وهنا تبرز أهمية “العلاج بالبستنة” (Horticultural Therapy) كخيار علاجي وتأهيلي رائع ومنخفض التكلفة مقارنة بالمسارات التقليدية. فهو يعمل كآلية فعالة للحد من الإدمان الرقمي والعزلة من خلال دفع المسن إلى سلوك حركي نشط وملموس، يُفعّل الحواس الخمس ويعيده إلى واقع تفاعلي حي.

أرقام صادمة وتحديات مرحلة الشيخوخة
واستعرضت الباحثة مجموعة من الإحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، مبيِّنة أن أعداد كبار السن (من عمر 60 عاماً فأكثر) قد بلغت نحو مليار إنسان في عام 2023، ومن المتوقع قفزها إلى ملياري نسمة بحلول عام 2050. ومع هذا التزايد العددي، تبرز اضطرابات نفسية حادة نتيجة ظروف التقاعد، وفقدان الشريك أو الأصدقاء، وزيادة الأمراض الجسدية، والشعور بانتهاء الدور الوظيفي والكفاءة في الحياة، مما يولد لديهم “الوحدة النفسية” و”العزلة الاجتماعية”.
وأوضحت د. سميحة أن الاكتئاب يعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً بين كبار السن، لافتة إلى أن التدخلات الدوائية وحدها قد لا تكون كافية في بعض الأحيان أو قد تصاحبها آثار جانبية مجهدة لكبار السن الذين يستهلكون بالفعل كميات كبيرة من الأدوية الجسدية بانتظام. ومن هنا، تكمن القيمة المضافة للتدخلات القائمة على الطبيعة كبديل وقائي وعلاجي يعيد للمسن معنى الحياة والتواصل الحميمي.
محددات نجاح برامج البستنة العلاجية
وفي إطار تحليلها للأدبيات العلمية والدراسات السابقة، خلصت الباحثة إلى نقاط جوهرية تحدد فاعلية هذا النمط العلاجي:
• طبيعة الأنشطة: الأنشطة الإيجابية القائمة على المشاركة المباشرة والحركة (مثل الري، وغرس الشتلات، والتعامل المباشر مع التربة والنبات) تحقق أثراً نفسياً أعمق بكثير من الأنشطة السلبية التي تقتصر على المشاهدة أو الاسترخاء البصري.• بيئة التطبيق: تُظهر البرامج كفاءة قصوى عند تطبيقها داخل بيئات الرعاية المؤسسية ودور المسنين، حيث تسهم بشكل مباشر في تخفيف حدة العزلة، وخفض هرمون التوتر (الكورتيزول)، وتقليل مظاهر الهياج والحساسية النفسية المرتبطة بالاضطرابات المعرفية كالحتا أو الألزهايمر.
• الآليات الخمس المتكاملة: يعمل العلاج بالبستنة من خلال منظومة متكاملة تشمل آليات: (نفسية تحقق الكفاءة الذاتية، واجتماعية تعزز التواصل، ومعرفية تنشط التذكر والتخطيط، وجسمانية تحسن الحركة، وفيزيولوجية تخفض الضغوط).

واختتمت د. سميحة مصباح كلمتها بالإشارة إلى وجود نقص حاد في الدراسات العربية الموثقة والمقننة التي تتناول العلاج النفسي بالبستنة في بيئاتنا المحلية.
وجاء في ختام طرحها: “إننا بحاجة ماسة ومستقبلية لبناء بروتوكولات علاجية واضحة، ومقننة، ومحددة علمياً من حيث عدد الجلسات ومدتها، مع ضرورة تحديد أدوات القياس ودور المعالج المختص بدقة. يجب ألا نكتفي بالنظر إلى كبار السن كفئة هشة أو عبء مجتمعي، بل علينا توسيع هذا المفهوم كتدخل مجتمعي أساسي يُطبق في دور الرعاية والمؤسسات المختلفة لدمج كافة الأعمار — من أطفال ومراهقين وراشدين — وتحويل هذه البرامج الطبيعية لركيزة تأهيلية أساسية تمنح الفرد هدفاً حقيقياً يرى نتاجه ينمو ويكبر أمام عينيه كل يوم.”
تابعنا على مواقع التواصل الأجتماعي :-