أستاذ علم النفس المساعد بجامعة القاهرة تفكك ملامح “المواطنين الرقميين” وتأثير الرقمنة بمؤتمر وعي
كتب : إبراهيم نور
شهدت الجلسات العلمية لـ المؤتمر الرابع للطب النفسي وعلم النفس (Gen_Z)، المنعقد بمركز التعليم المدني بالجزيرة تحت تنظيم مركز “وعي” برئاسة الدكتورة آية محمد كمال، طرحاً أكاديمياً وبحثياً معمقاً تناول الخصائص السيكولوجية والاجتماعية الفريدة لجيل الشباب المعاصر.
وقد اعتلت منصة الحديث ا.م. د / رشا احمد خلف، أستاذ علم النفس المساعد بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة القاهرة، لتقدم محاضرة تفاعلية وموسعة ناقشت خلالها “ملامح جيل الرقمنة وخصائصه النفسية والاجتماعية”، مستعرضةً تداعيات الطفرة التكنولوجية على بناء الشخصية المعاصرة وسط مقارنات علمية بالأجيال السابقة.
المواطنون الرقميون.. بناء افتراضي وتفكيك لوصمة الاضطرابات
واستهلت د. رشا أحمد خلف كلمتها بالترحيب بالحضور، موضحة أن جيل “Z” (الذي يمتد تاريخياً من منتصف التسعينات وحتى منتصف الألفية الثانية، وتحديداً من عام 1995 إلى 2015) يمثل شريحة عمرية تتراوح الآن بين 10 سنوات و30 عاماً. ووصف سيادتها أبناء هذا الجيل بـ “المواطنين الرقميين” (Digital Basics)، مبيِّنةً أنهم يختلفون جذرياً عن الجيل السابق الذي دخلت الرقمنة على حياته بعد اكتمال تكوين هويته وشخصيته؛ حيث نشأ جيل “Z” مباشرة في مهد الرقمنة لتصبح التكنولوجيا جزءاً لا يتجزأ من كفاءتهم وطموحاتهم وأحلامهم.
وأشارت الباحثة، استناداً إلى خلاصة البحوث في مجالي علم النفس والتربية، إلى أن جيل “Z” متميز للغاية في مستوى الوعي بالصحة النفسية بفضل السوشيال ميديا وأدوات التنمية البشرية والكوتشينج، مستشهدةً بتقرير جمعية علم النفس الأمريكية (APA) الذي أكد ارتفاع معدل الوعي بالصحة النفسية لدى هذا الجيل بنسبة 37% مقارنة بجيل “واي” وجيل “ألفا”.
وأضافت د. رشا أن هذا الوعي المرتفع ساهم مباشرة في “تفكيك الوصمة المجتمعية للاضطرابات النفسية”؛ حيث لا يجد مراهقو وشباب هذا الجيل أدنى مشكلة في الاعتراف بمعاناتهم من الكآبة، أو الألم النفسي، أو الشعور بعدم القبول، ويبادرون فوراً بالبحث عن العلاج وطلب المساعدة المتخصصة.
الهشاشة الوجدانية وأزمة تراجع الانتباه المعرفي
وعلى صعيد التحديات السلوكية، رصدت أستاذ علم النفس المساعد ملامح “الهشاشة الوجدانية” الحادة لدى جيل “Z”، مفسرةً ذلك بانشغال الآباء والأمهات وضغوط حياتهم ودخول الرقميات في مهامهم اليومية مما أدى لإهمال الجانب الاجتماعي الوجودي للأبناء؛ لينتهي الأمر ببناء شخصية “رقمية بنسبة 70%” وليس بناءً وجودياً حقيقياً، وهو ما ضاعف معدلات القلق والاكتئاب لديهم.

وفي المحور المعرفي، كشفت د. رشا أحمد خلف عن حدوث تراجع كبير في مدى وقدرة الانتباه التلقائي لدى الشباب نتيجة التدفق التكنولوجي؛ مما دفع خبراء التربية إلى استبدال المحتويات والنظريات الطويلة بما يُعرف بـ “التعلم المصغر” المعتمد على الخلاصة والوقت القصير.
وانتقدت الباحثة تحول نمط المعالجة السريعة للمعلومات إلى أسلوب عشوائي؛ حيث استبدل الطلاب مشوار البحث المضني والسفر بين الجامعات والمكتبات (الذي عاشه الجيل السابق لتوثيق المقاييس العلمية) بالدخول الفوري إلى اليوتيوب ومنصات الذكاء الاصطناعي لإنهاء بحوثهم في دقائق معدودة، مما أفرز أزمة حادة في “التحقق والتوثيق العلمي الدقيق”، وغياب القدرة على المقارنة الثقافية والفرز بين الآراء المؤيدة والمعارضة نتيجة الاعتماد التام على نمط التعلم البصري والتفاعلي ورفض القراءة والإنصات للمحاضرات الطويلة.
واقعية إدارة المخاطر وتغير الولاء الوظيفي
واجتماعياً، أوضحت د. رشا أن جيل “Z” تحول بالكامل نحو “التفكير الواقعي وحل المشكلات الملموسة” هرباً من الفكر الخيالي والفانتازيا، حيث تحركهم الاحتياجات المادية والاقتصادية والسياسية المباشرة، ويتركز سعيهم حول تحقيق “الأمان الوظيفي والمالي” وإدارة المخاطر الحالية دون انشغال بالتنبؤ المستقبلي.
ورغم امتلاكهم آلاف العلاقات والروابط عبر الفضاء الافتراضي، إلا أن هذا النمط الرقمي خلف لديهم شعوراً ممتداً بالوحدة، وعدم الثقة في المحيطين، وتفشي ظواهر سلوكية مثل الـ “موبوفوبيا” (الخوف من فقدان الهاتف) وقلق فوات الأحداث واللقطات الاجتماعية (FOMO)، باستثناء فئات محدودة نجت بفضل عوامل بيئية وتربوية وجينية قوية وثابتة.
واختتمت د. رشا أحمد خلف بمميزات هذا الجيل، لافتةً إلى تقبلهم الرائع للتنوع الإنساني، وتجاوزهم للصراعات العرقية والدينية التقليدية ليركزوا على “الإنسانية والأنشطة الرقمية المشتركة” العابرة للثقافات. كما أكدت أن مفاهيم “الولاء الوظيفي” قد تغيرت لديهم تماماً؛ حيث لم يعد لديهم مفهوم البقاء الدائم في مؤسسة واحدة أو جامعة معينة (مثل جامعة الأزهر أو غيرها) لمجرد الانتماء، بل بات ولاؤهم مرتبطاً بالقيمة النفسية والمادية المضافة التي تقدمها لهم المؤسسة، وقدرتها على تحقيق تطلعاتهم وحمايتهم الاجتماعية والمهنية.
تابعنا على مواقع التواصل الأجتماعي :-