بين سوء السلوك والمرض العضال.. كشف وتفكيك مفاهيم الإدمان في مؤتمر “وعي”
كتب : إبراهيم نور
شهدت قاعة المؤتمرات الكبرى بمركز التعليم المدني بالجزيرة انطلاق فعاليات المؤتمر الرابع للطب النفسي وعلم النفس (Gen_Z)، والذي ينظمه مركز “وعي” برئاسة الدكتورة آية محمد. ويأتي المؤتمر كمنصة علمية تهدف إلى تسليط الضوء على أبرز القضايا النفسية المعاصرة، وطرح الحلول العلاجية والسلوكية الحديثة التي تستهدف فئة الشباب وجيل اليوم، بمشاركة واسعة من نخبة من الأساتذة، الأطباء، والمتخصصين في مجالات الطب النفسي، وعلم النفس، والتربية، والخدمة الاجتماعية.
الإدمان كاضطراب قهري وتفكيك الوصمة
وفي إطار الفعاليات المستمرة، قدم د. وائل منصور إمام، استشاري الطب النفسي والعلاج السلوكي بمستشفى المطار ومدير عام شؤون مراكز علاج الإدمان بالأمانة العامة للصحة النفسية، أطروحة علمية بالغة الأهمية ارتكزت على قضية جوهرية وهي: “التفرقة بين تعاطي المخدرات كسوء سلوك والإدمان كمرض”.
وأوضح د. وائل في مستهل كلمته أن هناك خلطاً مجتمعياً كبيراً يقع فيه رجل الشارع وحتى بعض العاملين في المجال، حيث يُنظر إلى الإدمان بكونه مجرد “سوء سلوك” أو اتجاه إجرامي يعاقب عليه الفرد. وفكك هذا المفهوم مبيناً أن الإدمان في أصله هو “مرض يصيب الجهاز التحفيزي والدماغي”، ويتحول مع الوقت إلى سلوك قهري يفقد فيه المريض تماماً ميزة “الاختيار” والقدرة على التحكم، حيث يصبح الدماغ عاجزاً عن العمل واستعادة المهارات اليومية إلا بوجود هذه المادة.
وأشار إلى أن التصنيف الدولي للأمراض يضع الإدمان تحت مظلة الأمراض النفسية المعقدة، كونه يفرز ويغذي اضطرابات أخرى متلازمة مثل الاكتئاب، والقلق، وفقدان الشغف التام بالاستمتاع (الانهيدونيا). وحذر سيادته بشدة من خطورة مواد التعاطي الحديثة والمستحدثة في المعامل، والتي تملك تركيبات كيميائية مجهولة وتأثيرات تدميرية غير متوقعة على خلايا المخ والوعي.
دوائر التعافي الخمس وروشتة الاحتواء لجيل Z
وعن آليات الشفاء، أكد د. وائل منصور أن علاج الإدمان الحقيقي ليس مجرد سحب للمخدر أو بقاء المريض داخل مصحة، بل هو مسار إعادة تأهيل ممتد لا يقل عن سنتين لاستعادة كفاءة الوظائف الحياتية والدماغية. وطرح استراتيجية “الدوائر الخمس لإعادة الاتزان النفسي” والتي تقتضي تضافر الجهود لضبط وتأمين خمس ركائز أساسية في حياة المتعافي:

1. الجانب النفسي والبدني: إعادة ترميم خلايا ومراكز المكافأة الطبيعية في المخ.
2. العلاقات الأسرية: بناء سياق عائلي داعم ومتفهم.
3. العلاقات المجتمعية والبيئية: دمج المتعافي في محيطه الاجتماعي الإيجابي.
4. الكفاءة المهنية والأكاديمية: استعادة الإنتاجية والشغف بالعمل والتعليم.
5. المنظومة الروحانية والأخلاقية: تعزيز القيم والروابط الروحية الذاتية.
واختتم الباحث طرحه بتوجيه رسالة مباشرة للتعامل مع “جيل زد”، مؤكداً أن هذا الجيل يعيش انتفاضة وثورة طبيعية ضد كل ما هو قديم، ويعاني من غياب “تواصل الأجيال” وتقلص العائلة الممتدة التي عاصرتها الأجيال السابقة، مما يدفع الشباب لتجربة مقترحات عشوائية وخطرة في بيئاتهم الرقمية.
وجاء في ختام كلمته: “إن مواجهة قضية الإدمان اليوم تتطلب منا لغة مغايرة تماماً؛ فالترهيب الإعلامي التقليدي لم يعد يجدي نفعاً مع الأجيال الحديثة. المطلوب هو إلغاء نظرة الوصمة المجتمعية، والتحرك الفوري نحو ‘الاحتواء والتقبل للمريض’ كإنسان يعاني من اضطراب عضوي ونفسي حاد. يجب أن نحمي أبناءنا بالحب والتقبل والتفهم الفعلي لظواهرهم الإنسانية، لكي نمنحهم القدرة على عبور هذه الأزمات واستعادة صحتهم النفسية وجودة حياتهم.”
تابعنا على مواقع التواصل الأجتماعي :-